حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

216

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

كريمة وكرائم . وجاء خلفاء لأنهم جمعوه على إسقاط الهاء مثل : ظريف وظرفاء . والمراد به آدم صلى اللّه عليه وسلم إما لأنه صار خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه ، ويروى ذلك عن ابن عباس ، وإما لأنه يخلف اللّه في الحكم بين خلقه كقوله يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ ص : 26 ] وهو المروي عن ابن مسعود والسدي . وعن الحسن ، أن المراد بالخليفة أبناء آدم لأنه يخلف بعضهم بعضا ويؤيده قوله هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ [ فاطر : 39 ] وإنما وحد بتأويل من يخلف أو خلفا يخلف ، وبالحقيقة الإنسان يخلف جميع المكونات من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات ، ولا يخلفه شيء منها إذ لم يجتمع في شيء منها ما اجتمع فيه . وليس للعالم مصباح يضيء بنار نور اللّه فيظهر أنوار صفاته خلافة عنه إلا مصباح الإنسان ، لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب ، والزجاجة في مشكاة الجسد ، وفي زجاجة القلب زيت الروح يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ [ النور : 35 ] من صفاء العقل ولو لم تمسسه نار النور ، وفي مصباح السر فتيلة الخفاء ، فإذا استنار مصباحه بنار نور اللّه كان خليفة اللّه في أرضه ، فيظهر أنوار صفاته في هذا العالم بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة واللطف والقهر ، ولا تظهر هذه الصفات لا على الحيوان ولا على الملك فاعلم . والفائدة في إخبار الملائكة بذلك ، إما تعليم العباد المشاورة في أمورهم وإن كان هو بحكمته البالغة غنيا عن ذلك ، وإما ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا . واعلم أن الجمهور من علماء الدين على أن الملائكة كلهم معصومون عن جميع الذنوب لقوله تعالى يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ النحل : 50 ] فلا شيء من المأمورات بل ومن المنهيات - لأن المنهي مأمور بتركه - إلا ويدخل فيه بدليل صحة الاستثناء وأيضا لقوله بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ . لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [ الأنبياء : 26 ، 27 ] يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ الأنبياء : 20 ] إلى غير ذلك من الآيات . وطعن فيهم بعض الحشوية بأنهم قالوا أتجعل ، والاعتراض على اللّه من أعظم الذنوب . وأيضا نسبوا بني آدم إلى القتل والفساد وهذا غيبة وهي من أعظم الكبائر . وأيضا مدحوا أنفسهم بقولهم وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وهو عجب . وأيضا قولهم لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا اعتذار والعذر دليل الذنب . وأيضا قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ دل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه . وأيضا قوله أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يدل على أنهم كانوا مرتابين في أنه تعالى عالم بكل المعلومات . وأيضا علمهم بالإفساد وسفك الدماء إما بالوحي وهو بعيد وإلا لم يكن لإعادة الكلام فائدة ، وإما بالاستنباط والظن وهو منهي وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ الأسراء : 36 ] وأيضا قصة هاروت وماروت وأن